محمد بن علي الشوكاني
517
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
عبادي بالسرور والغبطة حافظا لما استودع ، صادعا بما أمر ، يدعو إلى توحيدي باللين من القول ، والموعظة الحسنة ، لا فظ ، ولا غليظ ، ولا صخاب في الأسواق ، رؤوف بمن والاه ، رحيم بمن آمن به حتى على من عاداه " ( 1 ) . انتهى ، ولا ريب أن هذه صفات نبينا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأنه لم يبعث الله نبيا من بني إسماعيل سواه . ومثل هذه الصفات ، ما في حديث عبد الله بن عمرو وعند البخاري ( 2 ) وغيره أنه قيل له : أخبرنا ببعض صفة رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في التوراة قال ( إنه لموصوف في التوراة ( 3 ) ببعض صفته في القرآن ( 4 ) : } يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا { ( 5 ) وحرزا للأميين . أنت عبدي ورسولي ، حميتك المتوكل ، لست بفظ ، ولا غليظ ، ولا صخاب بالأسواق ، ولا يجزي بالسيئة ، ولكن يجزي بالسيئة الحسنة ، ويعفو ويغفر ، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء ، فأفتح به أعينا عمياء ، وآذانا صما ، وقلوبا غلفا ، بأن يقولوا لا إله إلا الله ) . قيل : قد يراد بلفظ التوراة جنس الكتب المتقدمة من التوراة والزبور والإنجيل ، وسائر كتب أنبياء بني إسرائيل . فعلى هذا ، يكون المراد بقول عبد الله بن عمرو : " إنه لموصوف في التوراة " هذه الصفات المذكورة في نبوة دانيال ، ولا مانع من أن تكون هذه الصفات كانت موجودة في التوراة فحذفتها اليهود ، فما ذلك بأول تحريف وتبديل وتغيير
--> ( 1 ) انظر : سفر دانيال الإصحاح التاسع بكامله ، والعهد القديم ( 1003 - 1004 ) . * ودانيال : معناه ( الله قضى ) عاش في فترة السبي البابلي ، ونال مكانة عالية عند نبوخذ نصر بعد أن فسر له دانيال حلما قد أزعجه وتوفي في عهد الملك كورش ملك الفرس وينسب إليه سفر باسمه عدد إصحاحاته ( 12 ) إصحاحا ويحتوي على تاريخ بني إسرائيل في فترة السبي وعلى تنبؤات مستقبلة . قاموس الكتاب المقدس ( 357 - 360 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 2125 ) و ( 4838 ) . ( 3 ) لفظ التوراة يقصدون به جنس الكتب التي عند أهل الكتاب ، ولا يخصون بذلك كتاب موسى . ( 4 ) انظر : سفر أشعياء الإصحاح الثاني والأربعون ( 1 / 20 ) والعهد القديم ( 822 ) . ( 5 ) [ الأحزاب : 45 ] .